المشروعات التجريبية لا تكفي. الحلول القائمة على الطبيعة بحاجة إلى دعم من السياسات، وتمويل حقيقي، ومسارات منظمة لتوسيع نطاقها في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
12 ديسمبر 2025 | بقلم مي عطالله وإليزابيث ستيفِل

في أسبوع القاهرة للمياه (CWW) هذا العام، اكتسب الحوار الدائر حول الحلول المرنة لإدارة المياه وحماية الطبيعة (RNBWS) بعدًا جديدًا ملحاً. فمع زيادة ندرة المياه، وتدهور الأراضي، والتوتر المناخي عبر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA)، يتجه القادة والممارسون إلى الحلول المرنة لإعادة الأمن المائي، ودعم سبل العيش، والحفاظ على النظم البيئية.
الحلول المرنة ضرورية لتوجيه مرونة النظم البيئية والمرونة الاجتماعية. في مواجهة ندرة المياه وسبل العيش التي تزداد هشاشة، وفي سياق الميزانيات المحدودة وتحول الأولويات، تقدم هذه الحلول المائية أسلوبًا أقل تكلفة وأعلى عائدًا له فوائد مشتركة عبر القطاعات.
يهدف مشروع المرونة التابع للمعهد الدولي لإدارة المياه (IWMI) إلى زيادة الأمن المائي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من خلال الدمج بين الحلول القائمة على الطبيعة (NbS) وإدارة المياه الزراعية لمواجهة تغير المناخ وتدهور الأراضي. وفي أثناء أسبوع القاهرة للمياه، قاد المعهد النقاشات الدائرة حول توسيع نطاق الحلول المرنة من خلال التنسيق بين السياسات ونظم التمويل الإقليمية، بما فيها سياقات ما بعد النزاعات واستضافة اللاجئين. وفيما يتعلق بمشروعات مثل مشروع المرونة، لا يتحقق هذا من خلال العمل التقني فقط؛ بل هو بالأحرى نهج منظومي شامل تصحبه أجندات تبني الملكية المجتمعية من القاعدة إلى القمة وتربط الممارسة بأطر السياسات والتمويل.

“تتولى التخطيط لتدخلاتنا التجريبية الحكومات المحلية، ورابطات مستخدمي المياه، ومجموعات النساء وصغار الملاك والشباب للتعامل مع مسببات التوتر التي تعطل إدارة الموارد الطبيعية، ووظائف النظم البيئية، وسبل العيش”، قال ستيفن فراغاتسي، الباحث ومدير مشروع المرونة. “نعمل بشكل تعاوني لندمج التدخلات في الحوكمة، والأسواق، والنظم الاجتماعية لنتصدى لهذه التحديات. ساعدتنا هذه المشروعات التجريبية على اختبار الأساليب المتبعة والحد من مخاطرها قبل توسيع نطاقها.”
التمويل والحوكمة ركنان لتوسيع نطاق الإجراءات المحلية

طوال المناقشات الدائرة حول الحلول القائمة على الطبيعة في أسبوع القاهرة للمياه، ظلت كلمتان تتكرران: الحوكمة والتمويل.
تقوية الحوكمة أمر ضروري إذا أُريد للحلول القائمة على الطبيعة أن تتجاوز مرحلة المشروعات التجريبية وتصل إلى مرحلة توسيع النطاق. تناولت منى بدير، كبيرة مسئولي استراتيجية الاستدامة بإدارة التمويل المستدام في البنك التجاري الدولي (CIB) بمصر، الحاجة إلى جعل الحلول القائمة على الطبيعة أحد أعراف السياسات. “الحوكمة هي بوابة توسيع النطاق. بمجرد إدراج الحلول القائمة على الطبيعة في الاستراتيجيات الوطنية للمناخ والتنمية، تنتقل من كونها مشروعات تجريبية إلى أعراف سياسات. ويخلق هذا طلبًا مستمرًا، وهذا ما يجعل التمويل يتدفق بشكل طبيعي أكثر.”
وبالإضافة إلى ذلك، لاحظ علي هياجنة، مدير برنامج المياه وتغير المناخ في الاتحاد الدولي لصون الطبيعة (IUCN) بمنطقة غرب آسيا، أنه بينما تمول حكومات كثيرة بالفعل مشروعات الحلول القائمة على الطبيعة، “فإنها غير معترف بها رسميًا في السياسات، وهذه فرصة ضائعة لإضفاء الطابع المؤسسي عليها”، ومن ثم، الاستثمار فيها.
وتعد المعايير الواضحة، ونظم المراقبة محل الثقة، وأطر السياسات القوية متطلبات مسبقة للبنوك كي تحول التمويل بثقة إلى الحلول القائمة على الطبيعة. “تحتاج البنوك إلى الوضوح والاستمرارية وهنا يأتي دور المعايير، والنظم الرقابية، والاستراتيجيات الوطنية. ومع تحسن التنسيق بين السياسات، من الممكن أن تنتقل الحلول القائمة على الطبيعة من كونها مفهومًا للاستدامة إلى فئة استثمارية مجدية”، شرحت منى بدير.
وجدير بالذكر أن التمويل المختلط -الذي يجمع بين الاستثمارات العامة والخاصة- يُثبت حاليًا أنه طريقة واعدة لتمويل الحلول القائمة على الطبيعة التي قد يعتبرها المستثمرون التقليديون عالية المخاطر.
“يعد الحد من المخاطر من خلال التمويل المختلط عنصرًا أساسيًا لأنه يولد الأدلة والثقة اللذين تحتاجها الجمعيات التعاونية، والشركات، وجهات التمويل لتستثمر في توسيع النطاق”، قال سام جراوت-سميث، نائب رئيس إدارة شؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بوزارة الخارجية وشؤون الكومنولث والتنمية التابعة للمملكة المتحدة (FCDO). تدعم وزارة التنمية الدولية التابعة للمملكة المتحدة وشركاؤها تعزيز السياسات والمؤسسات حتى تتمكن الحكومات من التخطيط للحلول القائمة على الطبيعة، وتقييمها، ورفع تقارير عنها لجذب هذا التمويل بشكل أفضل.
يجب أن تشارك الأطراف الفاعلة التنموية، والمستثمرون، والمجتمعات المضيفة في تشكيل مشهد اليوم المتسم بميزانيات محدودة وأولويات متنافسة. ويعني ذلك مشاركة الخبرات، والاستماع إلى المجتمع المحلي، والاستثمار في قدرة الهيئات الحكومية على تحمل مخاطر مبكرة. ويظل الاستثمار في رأس المال البشري والاجتماعي المرتبطان بالحلول القائمة على الطبيعة أكثر أشكال التمويل المناخي استدامة.
وفي تلك الأثناء، يعرض البنك الإسلامي للتنمية (ISDB) طريقة مبتكرة لتمويل الحلول القائمة على الطبيعة. إذ طور البنك فِرَقه المعنية بالتمويل القائم على الأصول والبنية التحتية الاقتصادية لتركز على التكيف مع آثار تغير المناخ والاستثمار فيه، مما يعيد تأطير الطبيعة بوصفها مقدمة خدمة وأداة لإدارة المخاطر.
أشار خالد عبد الرحمن أحمد، رئيس فريق العمليات بإدارة البنية التحتية الاقتصادية في المركز الإقليمي التابع للبنك الإسلامي للتنمية، إلى أن هذا الأسلوب بدأ بالفعل يحقق نتائج. “عبر الدول السبع وخمسين الأطراف، نجرب حلولًا قائمة على الطبيعة في البنية التحتية المائية والزراعية باستخدام مؤشرات أداء واضحة. من برامج سدود الحماية من مخاطر الفيضانات في عُمان إلى السدود الصغيرة في كازاخستان، نحن في موضع أفضل لنثبت أن الحلول القائمة على الطبيعة تستطيع أن توفر عائدات اقتصادية وبيئية على حد سواء، فضلًا عن حزمة من الفوائد المشتركة الأخرى.”
طريق مستقبلي قائم على التعاون
في أسبوع القاهرة للمياه 2025، اكتشف أصحاب المصلحة أن هناك حاجة لإجراء تحولات في السياسات، والثقافات، والتمويل لتوسيع نطاق الحلول القائمة على الطبيعة عبر منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. فيديو: المعهد الدولي لإدارة المياه
من الأمور المشجعة أن نشهد تزايد عدد الشركاء المستثمرين ممن ينظرون إلى الطبيعة بوصفها جزءًا من دراسة حالة الأعمال (business case). كما يركز عمل المعهد الدولي في مشروع المرونة على إرشاد المستثمرين كي يفهموا كيف يشاركون في هياكل الحلول المرنة، ومخاطرها، وفرصها.
ومع تقدم المشروع، يترجم الفريق هذه الرؤى إلى توجيهات عملية، وخطط وطنية لتوسيع النطاق في مصر والأردن ولبنان وفلسطين، ومدخلات في أطر السياسات وأدوات رفع التقارير تستطيع أن تعزز التمويل الجاري. وستساعد هذه الجهود على وضع الحلول المرنة في التخطيط المالي التقليدي وتمهد الطريق أمام نماذج أوسع للتمويل المختلط.
الحلول القائمة على الطبيعة حبل نجاة، ولكن فقط عندما تُربَط بالسياسات، والحوكمة، والبنية التحتية. سيتطلب توسيع نطاقها شراكات عبر الحكومات، والبنوك، والجهات المانحة، والمؤسسات البحثية، فضلًا عن السياسات الحكومية المقصودة.
تحتوي منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على إمكانيات هائلة. وباستطاعة الحلول المرنة أن تنتقل من كونها مشروعات تجريبية معزولة إلى جزء أساسي من المستقبل التنموي للإقليم؛ إذا نسقنا بين الحوكمة، والتمويل، والقيادة المجتمعية.
الأشخاص
ستيفن فراغاتسي ومي عطالله
البحث
المياه وتغير المناخ والمرونة > مسارات التخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معها
الممولون والشركاء
وزارة الخارجية وشؤون الكومنولث والتنمية التابعة لحكومة المملكة المتحدة
المشروعات
مشروع المرونة: المرونة المناخية من خلال الأمن المائي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
آسيا > الأردن، ولبنان، ودولة فلسطين
وسوم
التمويل والاستثمار في المياه، الحلول القائمة على الطبيعة، مشاركة القطاع الخاص، توسيع النطاق، إدارة الموارد المائية
